الشيخ محمد الصادقي

58

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

واتقوا - مما يجمعون من الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد تخوّف الموت والقتل لما جمعوا من زهيد الدنيا ووهيدها زهادة في الآخرة . والمجاهد في سبيل اللّه تشمله مغفرة اللّه ورحمة اللّه سواء أمات على فراشه ، أم ضاربا في الأرض لمعاشه ، أم قتلا في ميادين الشرف والكرامة ، فمسيرهم كلهم واحد ، كما مصيرهم إلى اللّه الواحد : « وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ » « وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً » . فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) . لقد لان الرسول ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) لهم أولاء الذين عصوه في حرب أحد بما ألانه اللّه ورحمه ، وهنا عرض موجز عن ذلك اللين المكين المتين مع ضعفاء المؤمنين ، دون المنافقين الذين لا يعرفون لينا ولا يعرف في شرعة الحق لهم لين . وترى ماذا تعني « ما » في « فَبِما رَحْمَةٍ » ؟ هل هي زائدة كما يتقولون ؟ والزائدة بلا فائدة بائدة في القرآن العظيم ! . أظنها استفهامية في موضع العجاب : « فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ » حيث الموقف كان يتطلب أعلى قمم الرحمة الربانية ، فكما أن « عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ » - وهم من عرفناهم - يقتضي غاية الرحمة واللين ، فكذلك الرحمة الرسالية مع هؤلاء العصاة الذين هزموا صالح المؤمنين في المعركة وجاءوا بالبوار والخسار . وتلك الرحمة العالية كانت لزاما لتلك الرسالة الغالية ، كما أن « ولو » تحيل سلبها عنه إلى الفظاظة وغلظة القلب . وترى إحالة الفظاظة وغلظة القلب بالنسبة للعصاة المجاهيل لا تحيلهما